
رغم صدمة غرق 27 شخصا في المانش.. مهاجرون من العراق وسوريا والسودان عازمون على العبور إلى بريطانيا
حادث الغرق الأخير الذي أودى بحياة 27 مهاجرا في المانش بث الرعب في نفوس المهاجرين في مخيمات شمال فرنسا، إلا أن ذلك لم يقوض من عزيمتهم على العبور إلى المملكة المتحدة يتجمع عراقيون وسوريون وأكرد ومن اليمن والسودان في مجموعات متفرقة ، ومن جنسيات أخرى افريقية واسيوية ..الجميع ينتظر فرص للعبور لبريطانيا . ب
وبعد يوم على حادث الغرق، التقى (مراسل DW) بشباب ورجال ونساء يعيشون في ظروف متدهورة تدفعهم إلى اتخاذ المزيد من المخاطر من أجل العبور، بحسب وصف الجمعيات.
لا تزال صدمة غرق قارب مهاجرين أول أمس الأربعاء في بحر المانش تهيمن على تفكير الشاب العشريني (ن ج)، “27 شخصا ماتوا، بالطبع أنا خائف”، يتنهد قليلا قبل أن يكمل حديثه >> “حاولت عبور البحر إلى بريطانيا خمس مرات، لكن جميع محاولاتي باءت بالفشل إما بسبب الأمواج وتعطل محرك القارب أو بسبب الشرطة”.
يقف الشاب (ن ج) بجانب أصدقائه فيما يتناوبون على جمع أغصان وقطع خشبية تجهيزا لإشعال نيران، علها تكسر بعضا من برودة الأجواء القاسية في مدينة غراند سانت، المجاورة لكاليه شمال فرنسا حيث يعيش حوالي ألفي مهاجر في مخيمات عشوائية. رغم واقعة أول أمس لا تزال خطته بالذهاب إلى المملكة المتحدة قائمة.
نحو 40 مهاجرا يصعدون على متن زورق لعبور المانش من الضفة الفرنسية، على ساحل مدينية ويميرو، باتجاه السواحل البريطانية، 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2021. مشهد محزن لأطفال في مركب قد يغرق!
على بعد أمتار قليلة يوزع متطوعون محليون وجبات ساخنة على المهاجرين الذين تشردوا في تلك المخيمات بانتظار الفرصة المناسبة للعبور إلى المملكة المتحدة. تحمل امرأة أربعينية وجبتي طعام وتتجاوز الخيم المصطفة على طرفي سكة قطار قديم فوق أرض ترابية، فيما يجبرها الطين والوحل على إبطاء حركة قدميها.
الحديث عن غرق القارب في المانش والذي راح ضحيته 27 مهاجر بينعم سبع نساء و3 أطفال يدور بين المهاجرين المنتظرين على الساحل الفرنسي العبور لبريطانيا .. في قلوبهم المزيد من الرعب، وتقول المهاجرة القادمة من العراق إنها كانت نائمة في خيمتها حين تسللت إلى أذنيها كلمات عن الغرق والموت، “خرجت مسرعة لأكتشف هذا الخبر الذي جعلني لا استطيع التفكير أو الوقف على قدمي”.

المشاعر سيطرت على المهاجرة القادمة من العراق، انهمرت الدموع من عينيها وخانتها الكلمات، اكتفت بالقول “ابني ذو الأربع سنوات بانتظاري في الخيمة، عليّ الذهاب لأطعمه”، أكملت طريقها واختفت بين الخيم القماشية الملونة.
“أشعر بالخوف من ماء البحر”
مهاجر اخر يدعى (ر – ب) يبدو أكثر هدوءا ويحاول جاهدا إبقاء البسمة على وجهه، “وصلت إلى هنا منذ حوالي شهرين”، لكن خلف ابتسامته تكمن “خيبة أمل كبيرة” وفق قوله، “أشعر بالصدمة لم أتوقع أن تكون الأمور بهذه الصعوبة في أوروبا”، لا سيما وأنه خلال الأسابيع الماضية عانى الكثير على الحدود البولندية البيلاروسية قبل أن يتمكن من الوصول إلى شمال فرنسا.
ويقول (ر – ب) أن منذ لحظة خروجه من مدينته كركوك وضع نصب عينيه خطة الذهاب إلى المملكة المتحدة، “حاولت عبور المانش مرتين، واجهنا خلال الأولى مشاكل في الإبحار، وفشلت المحاولة الثانية بسبب القارب الذي سرعان ما ملأته الثقوب وتسربت المياه إليه. كنت أشعر بالبرد وكنا على وشك الغرق. أتت السلطات لاحقا وأنقذتنا”.
تجربة (ر – ب) الأخيرة ووفاة الـ27 مهاجرا يوم الأربعاء كانتا كافيتين لجعله يعدل عن عبور البحر، وباتت المياه ترهبه “لا أستطيع عبور البحر بعد الآن لأني خائف من المياه. لذلك قررت تجربة الاختباء في الشاحنات”.

إلا أن التسلل داخل الشاحنات التجارية المتجهة إلى المملكة المتحدة يكلف ضعف مبلغ العبور على متن القوارب، إذ يدفع الشخص حوالي ألفين أو ثلاثة آلاف يورو مقابل العبور على متن قارب، فيما تتراوح تكلفة الاختباء في الشاحنات من الـ5 آلاف وتصل حتى 13 ألف يورو.
إما الموت أو الوصول إلى بريطانيا
“الشاحنات ليست خيارا مطروحا بالنسبة لي لأنها مكلفة للغاية”، الشاب ( ع .ش) الذي يبلغ من العمر 27 عاما حسم أمره، “حاولت عبور المانش أربع مرات، وسأظل أحاول حتى أصل إلى بريطانيا. أريد الانضمام إلى أخي الأكبر الذي يعيش هناك منذ سنوات”.
فيما تنزل أولى قطرات المطر يشد ( ع .ش) سترته السوداء ويهرع آخرون باحثين عما يمنع المطر والهواء من إخماد النيران التي أشعلوها، مع بدء حلول الظلام وتدني درجات الحرارة. “أمامي خيارين لا ثالث لهما، إما الموت أو الوصول إلى بريطانيا”.

الظروف “مروعة” في غراند سانت بحسب وصف الناشطة آنا ريشيل، وتعتبر المتحدثة باسم جمعية “يوتوبيا 56” أن التصريحات الرسمية لا تركز سوى على المهربين، بينما تعتقد أن الظروف المعيشية السيئة هي ما تدفع المهاجرين على اتخاذ المزيد من المخاطر وعبور المانش، “أية حياة لديهم هنا؟ الشرطة تسرق أغراضهم وحاجياتهم التي تعينهم على النجاة في هذه الأجواء الباردة”.
“أنا محطمة بعد هذه المأساة التي حصلت في الأمس. ورغم موت هؤلاء الأشخاص، فرنسا لم تتخذ أي خطوات لتحسين ظروف الاستقبال. الأشخاص في غراند سانت ليس لديهم حتى ماء للشرب”.
“سأظل أجرب عبور البحر حتى الموت”
في مركز مدينة كاليه، تجمع أكثر من مئة شخص تكريما لأرواح ضحايا غرق القارب أول أمس الأربعاء في المانش، والذين يقدر عددهم بـ27 شخصا على الأقل، بينهم أطفال ونساء إحداهن حامل.
تقف مجموعة من الشباب السودانيين بين جموع المتظاهرين الذين ينددون بسياسة الحكومة الفرنسية في التعامل مع المهاجرين، ويقول كمال البالغ من العمر 18 عاما، “سأظل أجرب عبور البحر حتى الموت. لا أشعر بالخوف”.

كمال مضى على وجوده في كاليه 11 شهرا ورُفض طلب لجوئه لأن لديه بصمات مسجلة في إيطاليا، وحاول عبور البحر مرات عدة كان آخرها في اليوم نفسه الذي وقع فيه حادث الغرق المأساوي. ويقف إلى جانبه إبراهيم الذي يبلغ من العمر 22 عاما وكان معه على متن القارب نفسه برفقة ثلاثة شباب آخرين “رغم الأمواج العالية انطلق قاربنا عند منتصف الليل وأبحرنا لمدة ساعتين قبل أن يتعطل المحرك”.
عادت المجموعة إلى كاليه بعد فشل المحاولة، “لكنها بالتأكيد لن تكون المرة الأخيرة. من الأفضل أن نموت ونحن نحاول عبور البحر، على أن نبقى كالأموات هنا”.

وفيما كان يمشي متظاهرون بينهم سكان المدينة ومتطوعون في جمعيات محلية وبعض المهاجرين لرمي الزهور في البحر تكريما لأرواح الغرقى، يقول السوري أبو عادل “حاولت عبور البحر تسع مرات، لكننا في المرة الأخيرة كنا على وشك الغرق. كان القارب يحمل 44 شخصا، وبدأت المياه تتسرب إليه. نجونا من الموت”.
فيما بدأ أبو عادل بحثه وسؤاله عن بدائل أخرى للعبور إلى بريطانيا، كان الشاب السوري عدنان الذي يبلغ من العمر 25 عاما لا يزال مصمما على عبور البحر مهما كانت العواقب “مرت سبع سنوات على خروجي من سوريا، أريد الوصول إلى بريطانيا والاستقرار هناك”.
يحتدم الحديث بين السوريين المتحدرين من محافظة إدلب شمال سوريا، “انظر إلى البحر الهائج والجو السيء. سنموت بردا إن واجه القارب مشاكل”. لا يأخذ عدنان كلام صديقه بعين الاعتبار ويقول “لا أخاف من الموت. ذلك أصبح شيئا اعتياديا بالنسبة لنا”.